كلمة رئيس التفتيش المركزي
في تقديم النتائج النهائية لمهمة التدقيق الداخلي
مؤسسة مياه بيروت وجبل لبنان
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، وَبَيْنَمَا نَجْلِسُ فِي هَذِهِ القَاعَةِ، هُنَاكَ فِي مَكَانٍ مَا بَيْنَ بَيْرُوتَ وَجَبَلِ لُبْنَانَ يَدٌ تَفْتَحُ حَنَفِيَّةً.
قَدْ تَجْرِي المِيَاهُ، وَقَدْ لَا تَجْرِي. قَدْ تَكُونُ صَالِحَةً، وَقَدْ لَا تَكُونُ. وَإِذَا لَمْ تَجْرِ، فَسَيَرْفَعُ صَاحِبُهَا شَكْوَى… وَقَدْ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مَا حَلَّ بِهَا.
بَيْنَ تِلْكَ اليَدِ وَتِلْكَ الحَنَفِيَّةِ، تَقَعُ مُهِمَّتُنَا كَامِلَةً.
مَعَالِيَ وَزِيرِ الطَّاقَةِ وَالمِيَاهِ، حَضْرَةَ مُمَثِّلَةِ الاتِّحَادِ الأُورُوبِّيِّ، السَّادَةَ مُمَثِّلِي Expertise France، حَضَرَاتِ رُؤَسَاءِ أَجْهِزَةِ الرَّقَابَةِ، حَضَرَاتِ المُدَرَاءِ العَامِّينَ، أَيُّهَا الحُضُورُ الكَرِيمُ — أَهْلاً بِكُمْ.
نَجْتَمِعُ اليَوْمَ فِي مُنَاسَبَةٍ تَتَجَاوَزُ تَقْدِيمَ تَقْرِيرِ تَدْقِيقٍ دَاخِلِيٍّ، لِتُرَسِّخَ مَفْهُوماً حَدِيثاً لِلرَّقَابَةِ: يَقُومُ عَلَى الشَّرَاكَةِ مَعَ الإِدَارَةِ، وَعَلَى الوِقَايَةِ قَبْلَ المُخَالَفَةِ، وَعَلَى تَحْسِينِ الأَدَاءِ قَبْلَ مُعَالَجَةِ نَتَائِجِهِ.
أَيُّهَا الحُضُورُ،
لَا تُقَاسُ الرَّقَابَةُ النَّاجِحَةُ بِعَدَدِ المُخَالَفَاتِ الَّتِي تَكْشِفُهَا، بَلْ بِعَدَدِ المُخَالَفَاتِ الَّتِي حَالَتْ دُونَ وُقُوعِهَا.
هَذَا مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَالَمُ خِلَالَ العُقُودِ الأَخِيرَةِ. لَمْ يَعُدْ نَجَاحُ أَجْهِزَةِ الرَّقَابَةِ يُقَاسُ بِقُدْرَتِهَا عَلَى اكْتِشَافِ الخَلَلِ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَحَسْبُ، بَلْ بِقُدْرَتِهَا عَلَى مُسَاعَدَةِ الإِدَارَاتِ فِي بِنَاءِ أَنْظِمَةِ عَمَلٍ تَحُدُّ مِنَ المَخَاطِرِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَوَّلَ إِلَى مُخَالَفَاتٍ.
وَمِنْ هُنَا يَأْتِي التَّدْقِيقُ الدَّاخِلِيُّ بِوَصْفِهِ أَحَدَ أَهَمِّ أَدَوَاتِ الحَوْكَمَةِ الحَدِيثَةِ. وَهُوَ عَمَلِيَّةٌ مِهْنِيَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ وَمَوْضُوعِيَّةٌ، تُقَيِّمُ فَعَالِيَّةَ الضَّوَابِطِ الدَّاخِلِيَّةِ وَإِدَارَةِ المَخَاطِرِ وَآلِيَّاتِ الحَوْكَمَةِ، وَتَنْتَهِي إِلَى تَوْصِيَاتٍ عَمَلِيَّةٍ تُسَاعِدُ الإِدَارَةَ عَلَى بُلُوغِ أَهْدَافِهَا.
وَالتَّفْتِيشُ المَرْكَزِيُّ لَا يَأْتِي لِيُحْصِيَ الأَخْطَاءَ بَعْدَ وُقُوعِهَا، بَلْ لِيُفَكِّكَ أَسْبَابَهَا قَبْلَ تَكْرَارِهَا. فَالمَرْسُومُ الاشْتِرَاعِيُّ رَقْم ١١٥/١٩٥٩ لَمْ يَمْنَحْنَا سُلْطَةَ العِقَابِ وَحْدَهَا؛ بَلْ حَمَّلَنَا، إِلَى جَانِبِهَا، مَسْؤُولِيَّةَ المَشُورَةِ وَالتَّوْصِيَةِ. وَالعُقُوبَةُ تُصْلِحُ حَالَةً؛ أَمَّا المَشُورَةُ فَتُصْلِحُ نِظَاماً. الأُولَى تُعَالِجُ الأَثَرَ، وَالثَّانِيَةُ تُعَالِجُ السَّبَبَ.
وَلَمْ يَسْتَعْمِلِ المُشْتَرِعُ عَامَ ١٩٥٩ عِبَارَةَ «التَّدْقِيقِ الدَّاخِلِيِّ» — وَلَمْ يَكُنِ المُصْطَلَحُ قَدِ اسْتَقَرَّ بَعْدُ فِي الأَدَبِيَّاتِ الإِدَارِيَّةِ — لَكِنَّهُ وَصَفَ مَضْمُونَهَا بِدِقَّةٍ لَافِتَةٍ.
أَيْ أَنَّ المُشْتَرِعَ كَتَبَ الوَظِيفَةَ قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ اسْمُهَا.
أَيُّهَا الحُضُورُ الكَرِيمُ،
جَاءَتْ هَذِهِ المُهِمَّةُ فِي إِطَارِ مَشْرُوعِ إِصْلَاحِ الإِدَارَةِ العَامَّةِ، المَعْرُوفِ اخْتِصَاراً بِـ RAP، المُمَوَّلِ مِنَ الاتِّحَادِ الأُورُوبِّيِّ وَالمُنَفَّذِ مِنْ قِبَلِ Expertise France؛ وَهِيَ ثَمَرَةُ تَعَاوُنٍ بَيْنَ وِزَارَةِ الطَّاقَةِ وَالمِيَاهِ، وَالتَّفْتِيشِ المَرْكَزِيِّ، وَمُؤَسَّسَةِ مِيَاهِ بَيْرُوتَ وَجَبَلِ لُبْنَانَ.
وَنُفِّذَتْ وَفْقَ المَعَايِيرِ الدَّوْلِيَّةِ لِلتَّدْقِيقِ الدَّاخِلِيِّ، بَعْدَ إِعْدَادِ فَرِيقٍ مِنْ مُفَتِّشِي التَّفْتِيشِ المَرْكَزِيِّ وَتَأْهِيلِهِ عَلَى أَحْدَثِ المَنْهَجِيَّاتِ، مَعَ مُرَاعَاةِ خُصُوصِيَّةِ الإِدَارَةِ العَامَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ وَإِطَارِهَا القَانُونِيِّ.
وَاخْتَرْنَا مَنْهَجاً وَاضِحاً: لَا تَدْقِيقاً عَلَى الإِدَارَةِ، بَلْ تَدْقِيقاً مَعَ الإِدَارَةِ. فَرِيقٌ مُتَعَدِّدُ الاخْتِصَاصَاتِ، جَلَسَ إِلَى طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ المَسْؤُولِينَ فِي المُؤَسَّسَةِ، لَا لِيَتَصَيَّدَ خَطَأً، بَلْ لِيَرْسُمَ مَعَهُمْ خَرِيطَةَ المَخَاطِرِ وَيَتَقَصَّى مَا وَرَاءَهَا.
وَقَدْ عَمِلْنَا فِي ظُرُوفٍ بَعِيدَةٍ عَنِ المِثَالِيَّةِ: إِدَارَةٍ خَرَجَتْ مِنْ جَائِحَةٍ، وَمِنِ انْهِيَارٍ مَالِيٍّ، وَمِنْ إِضْرَابَاتٍ، وَتُوَاجِهُ اليَوْمَ ضَغْطَ التَّغَيُّرِ المُنَاخِيِّ عَلَى أَكْثَرِ القِطَاعَاتِ حَسَّاسِيَّةً.
وَأَقُولُهَا بِصَرَاحَةٍ: هَذِهِ الظُّرُوفُ تُفَسِّرُ الكَثِيرَ، لَكِنَّهَا لَا تُبَرِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. جُزْءٌ مِنَ الخَلَلِ سَبَبُهُ الأَزْمَةُ، وَجُزْءٌ آخَرُ تَنْظِيمِيٌّ بَحْتٌ، كَانَ قَائِماً قَبْلَهَا وَسَيَبْقَى بَعْدَهَا إِنْ لَمْ نُعَالِجْهُ. وَمُهِمَّةُ التَّدْقِيقِ الجَادِّ أَنْ يَفْصِلَ بِدِقَّةٍ بَيْنَ مَا لَا حِيلَةَ لِلْإِدَارَةِ فِيهِ، وَمَا هُوَ فِي يَدِهَا اليَوْمَ.
وَقَدْ سَلَكْنَا فِي تَدْقِيقِنَا مَسَارَ المُوَاطِنِ نَفْسَهُ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ:
هَلْ تَصِلُ المِيَاهُ، وَهَلْ هِيَ صَالِحَةٌ لِلشُّرْبِ؟ — كَمِّيَّةُ المِيَاهِ وَنَوْعِيَّتُهَا.
كَيْفَ يَدْخُلُ المُوَاطِنُ فِي عَلَاقَةٍ نِظَامِيَّةٍ مَعَ المُؤَسَّسَةِ؟ — الاشْتِرَاكَاتُ.
إِلَى أَيْنَ يَذْهَبُ صَوْتُهُ حِينَ يَشْتَكِي؟ — تَلَقِّي الشَّكَاوَى.
وَمَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وَبَعْدَ كَمْ مِنَ الوَقْتِ؟ — مُعَالَجَةُ الشَّكَاوَى.
وَمَنْ هُمُ النَّاسُ الَّذِينَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَقُومُوا بِكُلِّ ذَلِكَ؟ — المَوَارِدُ البَشَرِيَّةُ.
وَبِأَيِّ وَسَائِلَ وَتَجْهِيزَاتٍ وَعُقُودٍ؟ — الشِّرَاءُ العَامُّ.
سِتَّةُ مَحَاوِرَ، لَكِنَّهَا فِي العُمْقِ سُؤَالٌ وَاحِدٌ: هَلْ تَصِلُ الخِدْمَةُ؟ وَمَنْ يَتَحَمَّلُ المَسْؤُولِيَّةَ إِنْ لَمْ تَصِلْ؟
وَلِذَلِكَ لَمْ نَنْظُرْ إِلَيْهَا كَمِلَفَّاتٍ مُنْفَصِلَةٍ، بَلْ كَسِلْسِلَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنِ انْقَطَعَتْ حَلْقَةٌ مِنْهَا، انْقَطَعَتِ الخِدْمَةُ كُلُّهَا.
وَقَدْ أَظْهَرَتِ النَّتَائِجُ أَنَّ الأَعْطَالَ، عَلَى اخْتِلَافِ مَوَاقِعِهَا، لَا تَرْتَبِطُ بِمِحْوَرٍ بِعَيْنِهِ وَلَا بِوَحْدَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ تَعُودُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ مُؤَسَّسَاتِيَّةٍ مُشْتَرَكَةٍ:
السَّبَبُ الأَوَّلُ: إِدَارَةٌ بِلَا عَدَدٍ كَافٍ مِنَ النَّاسِ. الشُّغُورُ الوَظِيفِيُّ. وَهَذَا لَا يَعْنِي تَأَخُّرَ المُعَامَلَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ يَعْنِي أَنَّ المُوَظَّفَ الوَاحِدَ يَجْمَعُ فِي يَدِهِ مَهَامَّ يُفْتَرَضُ الفَصْلُ بَيْنَهَا — فَتَضْعُفُ الضَّوَابِطُ الدَّاخِلِيَّةُ مِنْ حَيْثُ لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ.
السَّبَبُ الثَّانِي: نَاسٌ يَعْمَلُونَ بِلَا خَرِيطَةٍ. غِيَابُ التَّخْطِيطِ الاسْتِرَاتِيجِيِّ وَالمَالِيِّ وَالتَّشْغِيلِيِّ. وَحِينَ لَا تُوجَدُ خُطَّةٌ، تُدَارُ المُؤَسَّسَةُ بِرَدِّ الفِعْلِ: يُصْلَحُ مَا يَتَعَطَّلُ، وَيُشْتَرَى مَا يَنْفَدُ، وَيُمَوَّلُ مَا يُلِحُّ. وَهَذِهِ لَيْسَتْ إِدَارَةً — هَذِهِ إِطْفَاءُ حَرَائِقَ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: خَرِيطَةٌ بِلَا مَنْ يُتَابِعُ الالْتِزَامَ بِهَا. ضَعْفُ الرَّقَابَةِ التَّسَلْسُلِيَّةِ وَتَقْيِيمِ الأَدَاءِ. وَمِنْ هُنَا تَحْدِيداً تَأْتِي مُلَاحَظَةٌ أَسَاسِيَّةٌ: النُّصُوصُ القَائِمَةُ سَلِيمَةٌ فِي مُعْظَمِهَا، لَكِنَّ تَطْبِيقَهَا لَيْسَ دَائِماً كَذَلِكَ — لِأَنَّ النَّصَّ الَّذِي لَا أَحَدَ يُتَابِعُ تَنْفِيذَهُ يَتَحَوَّلُ بِمُرُورِ الوَقْتِ إِلَى حِبْرٍ عَلَى وَرَقٍ. فَالتَّعْلِيمَاتُ تَصْدُرُ، وَلَا أَحَدَ يَقِيسُ إِنْ كَانَتْ طُبِّقَتْ. وَمَا لَا يُقَاسُ، لَا يَتَحَسَّنُ.
وَهَذِهِ الأَسْبَابُ مُتَسَلْسِلَةٌ لَا مُتَوَازِيَةٌ: الشُّغُورُ يُنْهِكُ، وَالإِنْهَاكُ يَمْنَعُ التَّخْطِيطَ، وَغِيَابُ التَّخْطِيطِ يَتْرُكُ الرَّقَابَةَ بِلَا مَرْجِعٍ تَقِيسُ عَلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا وَجَبَ أَنْ تُعَالَجَ مَعاً.
وَأُشَدِّدُ: هَذِهِ مُلَاحَظَاتٌ بِنْيَوِيَّةٌ، لَا اتِّهَامَاتٌ. وَالفَرْقُ بَيْنَهُمَا جَوْهَرِيٌّ — الاتِّهَامُ يَبْحَثُ عَنْ مَسْؤُولٍ، أَمَّا المُلَاحَظَةُ البِنْيَوِيَّةُ فَتَبْحَثُ عَنْ حَلٍّ.
وَلَمْ نَكْتَفِ بِالتَّشْخِيصِ.
فَالتَّقْرِيرُ يُقَدِّمُ تَوْصِيَاتٍ مُصَنَّفَةً بِالأَلْوَانِ بِحَسَبِ مُسْتَوَى المَخَاطِرِ الصَّافِيَةِ: الأَحْمَرُ لِمَا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ، وَالبُرْتُقَالِيُّ لِمَا يَجِبُ أَنْ يَبْدَأَ اليَوْمَ وَيُسْتَكْمَلَ تَدْرِيجاً، وَالأَخْضَرُ لِمَا يُبْنَى عَلَى مَرَاحِلَ، وَالأَزْرَقُ لِمَا يُحَسِّنُ الأَدَاءَ وَلَا يُنْقِذُهُ. وَهِيَ مُوَزَّعَةٌ عَلَى مَدَيَيْنِ: قَرِيبٍ لِمَا يُنْجَزُ بِقَرَارٍ إِدَارِيٍّ وَإِرَادَةٍ، وَمُتَوَسِّطٍ لِمَا يَحْتَاجُ إِلَى مَوَارِدَ وَتَشْرِيعٍ وَوَقْتٍ.
وَهَذَا التَّصْنِيفُ لَيْسَ تَفْصِيلاً شَكْلِيّاً؛ إِنَّهُ جَوْهَرُ قَابِلِيَّةِ التَّنْفِيذِ. فَالإِصْلَاحُ الَّذِي لَا يُرَتِّبُ أَوْلَوِيَّاتِهِ يَتَحَوَّلُ إِلَى لَائِحَةِ أُمْنِيَاتٍ، وَلَائِحَةُ الأُمْنِيَاتِ تُطْوَى فِي الأَدْرَاجِ. أَمَّا حِينَ تُحَدَّدُ نُقْطَةُ البَدْءِ، وَتَسَلْسُلُ الخُطُوَاتِ، وَالمُهْلَةُ الزَّمَنِيَّةُ — فَعِنْدَئِذٍ يُصْبِحُ التَّقْرِيرُ أَدَاةَ عَمَلٍ لَا وَثِيقَةَ أَرْشِيفٍ.
وَلَا بُدَّ أَنْ أُسَجِّلَ أَنَّ المُؤَسَّسَةَ أَبْدَتْ تَعَاوُناً كَامِلاً فِي جَمِيعِ مَرَاحِلِ المُهِمَّةِ، وَتَعَامَلَتْ بِإِيجَابِيَّةٍ وَمَسْؤُولِيَّةٍ مَعَ المُلَاحَظَاتِ وَالتَّوْصِيَاتِ.
وَأَقُولُهَا بِوُضُوحٍ: أَنْ تَفْتَحَ إِدَارَةٌ سِجِلَّاتِهَا أَمَامَ جِهَازٍ رَقَابِيٍّ، وَتُشَارِكَ بِنَفْسِهَا فِي تَشْخِيصِ نِقَاطِ ضَعْفِهَا — فَهَذَا فِي ذَاتِهِ إِصْلَاحٌ، قَبْلَ أَنْ تُنَفَّذَ أَيُّ تَوْصِيَةٍ. وَهُوَ يَعْكِسُ إِدْرَاكاً بِأَنَّ الرَّقَابَةَ الحَدِيثَةَ لَيْسَتْ عَلَاقَةَ خُصُومَةٍ، بَلْ عَلَاقَةَ شَرَاكَةٍ غَايَتُهَا المَصْلَحَةُ العَامَّةُ.
وَمَا أُنْجِزَ هُنَا قَابِلٌ لِلتَّعْمِيمِ. فَالمُؤَسَّسَاتُ العَامَّةُ لِلْمِيَاهِ فِي لُبْنَانَ تَتَشَابَهُ فِي بِنْيَتِهَا وَتَحَدِّيَاتِهَا إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ. وَمَا بَيْنَ أَيْدِينَا اليَوْمَ لَيْسَ تَقْرِيراً عَنْ مُؤَسَّسَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ نَمُوذَجُ تَدْقِيقٍ جَاهِزٌ لِلِاسْتِنْسَاخِ.
وَاسْمَحُوا لِي، مَعَالِيَ الوَزِيرِ، أَنْ أَقُولَ إِنَّ تَعْمِيمَ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ اقْتِرَاحٍ فَنِّيٍّ، بَلْ فُرْصَةً قَائِمَةً — وَالتَّفْتِيشُ المَرْكَزِيُّ عَلَى أَتَمِّ الاسْتِعْدَادِ لِلْمُضِيِّ فِيهَا مَتَى تَقَرَّرَ ذَلِكَ، عَلَى سَائِرِ مُؤَسَّسَاتِ المِيَاهِ، ثُمَّ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الإِدَارَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ العَامَّةِ.
وَلَا يَسَعُنِي إِلَّا أَنْ أَتَوَجَّهَ بِالشُّكْرِ:
إِلَى مَعَالِي وَزِيرِ الطَّاقَةِ وَالمِيَاهِ عَلَى دَعْمٍ وَاضِحٍ مُنْذُ اليَوْمِ الأَوَّلِ — وَالدَّعْمُ السِّيَاسِيُّ، فِي مِثْلِ هَذِهِ المَهَامِّ، لَيْسَ مُجَامَلَةً بَلْ شَرْطُ نَجَاحٍ.
وَإِلَى إِدَارَةِ مُؤَسَّسَةِ مِيَاهِ بَيْرُوتَ وَجَبَلِ لُبْنَانَ، مُدِيرِهَا العَامِّ وَمُدَرَائِهَا وَرُؤَسَاءِ مَصَالِحِهَا وَجَمِيعِ العَامِلِينَ فِيهَا.
وَإِلَى الاتِّحَادِ الأُورُوبِّيِّ عَلَى دَعْمِهِ المُسْتَمِرِّ لِبَرَامِجِ الإِصْلَاحِ المُؤَسَّسِيِّ فِي لُبْنَانَ.
وَإِلَى Expertise France عَلَى مُسَاعَدَةٍ تِقْنِيَّةٍ وَمُرَافَقَةٍ مِهْنِيَّةٍ عَالِيَةِ المُسْتَوَى.
وَإِلَى فَرِيقِ المُفَتِّشِينَ وَجَمِيعِ الكَوَادِرِ فِي التَّفْتِيشِ المَرْكَزِيِّ، الَّذِينَ أَنْجَزُوا هَذِهِ المُهِمَّةَ فِي ظُرُوفٍ يَعْرِفُهَا الجَمِيعُ.
وَإِلَى كُلِّ مَنْ شَارَكَ فِي تَحْضِيرِ هَذَا اللِّقَاءِ، وَكُلِّ مَنْ لَبَّى الدَّعْوَةَ وَحَضَرَ — فَحُضُورُكُمْ فِي ذَاتِهِ مَوْقِفٌ إِلَى جَانِبِ الإِصْلَاحِ.
وَأَخْتِمُ بِمَا بَدَأْتُ بِهِ.
قِيمَةُ هَذَا التَّقْرِيرِ لَا تَكْمُنُ فِي عَدَدِ صَفَحَاتِهِ، وَلَا فِي حَجْمِ بَيَانَاتِهِ، بَلْ فِي مَا سَيَؤُولُ إِلَيْهِ.
المِيَاهُ وَالثِّقَةُ يَتَشَابَهَانِ فِي أَمْرٍ وَاحِدٍ: كِلَاهُمَا يَتَسَرَّبُ مِنْ حَيْثُ لَا نَرَى. وَمَا لَمْ نُصْلِحِ الشَّبَكَةَ غَيْرَ المَرْئِيَّةِ — شَبَكَةَ الإِجْرَاءَاتِ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ وَالمُهَلِ — فَلَنْ يَكْفِيَ أَنْ نُصْلِحَ الأَنَابِيبَ.
وَالإِصْلَاحُ الحَقِيقِيُّ يَبْدَأُ حِينَ تَتَحَوَّلُ التَّوْصِيَاتُ إِلَى قَرَارَاتٍ، وَالقَرَارَاتُ إِلَى مُمَارَسَاتٍ، وَالمُمَارَسَاتُ إِلَى ثَقَافَةٍ مُؤَسَّسَاتِيَّةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى مَنْ يُذَكِّرُ بِهَا.
هَذَا التَّقْرِيرُ لَيْسَ نِهَايَةَ مُهِمَّةٍ، بَلْ بِدَايَةُ الْتِزَامٍ.
وَلَنْ يُقَاسَ نَجَاحُنَا بِمَا قِيلَ فِي هَذِهِ القَاعَةِ، بَلْ بِمَا سَيَتَغَيَّرُ خَارِجَهَا — عِنْدَ تِلْكَ اليَدِ الَّتِي تَفْتَحُ الحَنَفِيَّةَ.
شُكْراً لَكُمْ.