الأخبار
12/09/2020

كلمة رئيس التفتيش المركزي جورج عطية بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد


المستنقع والهواء


القاضي جورج أوغست عطية


في 9 كانون الأول 2020


"إننا نستنشق الفساد مع الهواء..."
في اليوم العالمي لمكافحة الفساد، لم أجد أفضل من مقولة نجيب محفوظ لكي أوصِّف الحال الذي وصل إليه لبنان في الآونة الأخيرة والفساد ينخر إداراته ومؤسساته. احتلّ لبنان عام 2019 المرتبة 137 في العالم من أصل 180 دولة على مؤشر الفساد بحسب منظمة الشفافية العالمية. لم يبدأ تاريخنا مع الفساد بالأمس، بل إنه مسار تنامى بين الإنكار والاستنكار في معظم الأحيان، والاعتراف المتأخّر أحيانًا أخرى، والإفلات من العقاب في غالبية الأحيان. فحتى حين تمّ الكشف عن مكامن الفساد، لم يتّخذ أي إجراء يعاقب فاعله أو يردع تكراره في المستقبل.
نُشرت دراسات عديدة تطرّقت إلى واقع الفساد في لبنان وخلُصت إلى توصيات حول كيفية محاربته. غالبية هذه الدراسات فسّرت آفة الفساد بالنظام الطائفي والمحاصصة. وأعدّت الصحف ووسائل الإعلام عدة ملفات تفضح، وبالأسماء، الفساد في قطاعات متنوعّة، إلا أن المحاسبة لم تكن يومًا على قدر التطلعات، ولا بمستوى الارتكاب. 
أتوجه إلى اللبنانيات واللبنانيين اليوم مؤكدًا أنه لا يمكن أن نشنّ حربًا على الفساد من دون معالجته من جذوره وكبح سبل تفشّيه، في سبيل إرساء مبادئ الحوكمة الرشيدة في الإدارة العامة، ومن أبرزها المحاسبة والشفافية وحكم القانون حيث الدور المحوري للأجهزة الرقابية. إن التفتيش المركزي عمل منذ إنشائه في عهد الرئيس فؤاد شهاب على مراقبة الإدارات والمؤسسات العامة، والتدقيق في سير العمل فيها وكشف ثغراتها، وسعى إلى تطوير أساليب العمل الإداري، كما تؤكد عليه التقارير والقرارات الصادرة التي كشفت الفساد والممارسات غير القانونية. إلا أن القوانين فرضت المحافظة على سرية القرارات وعدم التطرّق إلى تفاصيلها.
ونحن، مع التزامنا مبدأيْ السرية والخصوصية بما يخدم سير عمل التفتيش، نجحنا، عبر مراكمة التجارب والخبرات، بأخذ العبر واستخلاص معايير الأسس السليمة للعمل المؤسساتي وتطوير أداء الإدارة العامة. ولقد كرّرنا مرارًا وتكرارًا ضرورة التقيّد بالآراء الصادرة عن أجهزة الرقابة الإدارية والقضائية المختصة، كما ارتأينا  خلال متابعتنا لملفات عدة ضرورة إخضاع الوزراء للقضاء العادي وليس للمجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزارات، تجنّبًا لأي تحيز أو استنسابية في المحاكمة.
بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة الفساد، نشدّد على ضرورة إخضاع كافة وحدات وأشخاص القطاع العام، دون استثناء، لصلاحيات التفتيش المركزي، إذ أنه لا يمكن بعد اليوم مكافحة الفساد مع إبقاء بعض المؤسسات والإدارات خارج أي رقابة.

صحيح أننا نستنشق الفساد مع الهواء، فكما تساءل محفوظ، كيف تأمل أن يخرج من المستنقع أمل حقيقي لنا؟ وعليه، سوف نضع بين أيديكم في الأيام القادمة خارطة طريق تهدف إلى الإصلاح الإداري، فتطرح بعض الخطوات العملية الأساسية التي يمكن أن ترشد عمل المؤسسات والإدارات، والتي يمكن العمل بها من أجل الخروج من بوتقة الظلام والانتصار على وباء الفساد الذي بات يشلّ البلاد والإدارات. وفي هذا الإطار، يبقى تفعيل رقابة التفتيش المركزي والإلتزام بقراراته ركيزة الإصلاح الإداري في الدولة اللبنانية وأساس استعادة ثقة اللبنانيين والشركاء الدوليين بمؤسسات الدولة.
تطرح هذه الخطة أيضًا رؤية التفتيش المركزي لعدد من القطاعات، مستندةً إلى خبرات المفتشين في مختلف المجالات وإلى معطيات مبنية على سنوات من العمل الرقابي اكتسبوا خلالها فهمًا واسعًا للإدارة العامة اللبنانية. كما تتناول الخطة مجموعة إصلاحات من شأنها تعزيز فعالية العمل الإداري والحدّ من الفساد، لا سيما في ما يتعلّق بمهام الوزراء، وترشيد الإدارة وتعزيز أجهزة الرقابة والانتقال نحو الحوكمة الرقمية. من أبرز هذه الإصلاحات، نذكر باقتضاب ما يلي:
1)    في تنظيم مهام الوزراء: اعتماد الوزير التسلسل الإداري الصحيح في تنظيم العمل الوزاري، وخضوع الوزراء الحاليون والسابقون للقضاء العادي وليس للمجلس الاعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء.
2)    في ترشيد الإدارة وتفعيلها: إلغاء بعض الوزارات (الإعلام، المهجرين) أو دمج بعضها مع وزارات أخرى (الشباب والرياضة، العمل، الثقافة، الشؤون الاجتماعية)، وإعادة درس هيكليات الوزارات وتخفيض أعداد الوظائف واعتماد هيكليات إدارية جديدة تتناسب مع تطوّر مفهوم الإدارة العامة.
3)    في تعزيز أجهزة الرقابة وتطوير أدواتها: اعتماد إلزامية إبلاغ التفتيش المركزي مباشرةً من قبل الموظفين بالمخالفات القانونية التي لحظوها أثناء تأدية مهامهم، خاصةً إذا اقترنت المعاملة بإصدار وتأكيد من الرئيس أو المرجع الأعلى.
4)    في الانتقال إلى الإدارة الرقمية: الربط المعلوماتي بين وحدات القطاع العام والهيئات الرقابية ومكننة المعاملات واعتماد اللامركزية في إنجازها.
5)    في أسس معايير التوظيف وهيكلة الإدارة: إلغاء التجاوزات الوظيفية في ملء مراكز الوظائف القيادية (عبر عمليات التكليف وهي حالة غير قانونية)، حيث أنها حاصرت الاستقرار الوظيفي وأدّت الى ارتهان الموظفين إلى الجهات التي كلّفتهم وإبقائهم تحت رحمة رؤسائهم.
6)    في تطبيق التدقيق الداخلي: اعتماد التدقيق الداخلي في الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والبلديات وكافة هيئات القطاع العام، بحيث تُرسل إلزاميًا نسخ عن التقارير إلى الهيئات الرقابية المختصة.
7)    في توحيد وتبسيط الإجراءات للمعاملات في الإدارات العامة: تبسيط أساليب العمل الإداري وتحديد أصول إنجاز المعاملات وتحديد مهام الموظفين، إضافةً إلى اعتماد إجراءات واضحة ومعلنة لكافة المهام التي تؤديها وحدات القطاع العام (مثلًا: المعاملة، المستندات المطلوبة، سير المعاملة، مهل الإنجاز، الخ.)


8)    في مجال العمل الإداري: قيام الموظفين بوضع وتوثيق خطة عمل لكل مهمة، تتضمّن أهداف المهمة، ونطاقها، وتوقيتها، والموارد المخصصة لها. ويجب أن تأخذ الخطة بعين الاعتبار استراتيجيات وأهداف الإدارة ذات الصلة بالمهمة والمخاطر التي تحدّق بها.
9)    في مجال وزارة البيئة: العمل على وضع المعايير والمؤشرات والشروط المطلوبة التي تؤول إلى تصنيف المكاتب الاستشارية التي تعدّ دراسات تقييم بيئي استراتيجي، وتقييم أثر بيئي، وفحص بيئي مبدئي، وتدقيق بيئي تطبيقًا للفقرة (7) من المادة 27 الواردة بالمرسوم 2275/2009، وإلى ضرورة تبيان شروط التصنيف المؤهلة لهذه المكاتب.
10)    في مجال  وزارة الاتصالات: تطبيق القانون رقم 431 تاريخ 22/7/2002 الذي لم يعمل به منذ صدوره، ما أدّى إلى تفريغ الملاك وعدم تعيين موظفين لملء الشواغر، كما تسبّب بتداخل الصلاحيات بين هيئة أوجيرو ووزارة الإتصالات، وحال دون إنشاء شركة إتصالات لبنان (Liban Telecom).
11)    في مجال وزارة الصحة: إعادة تنظيم وهيكلة الوزارة، بحيث يكون التشديد على الكفاءة والتخصّص في الوظائف التي تتطلّب هذه الجدارة، لا سيما في خلق نظام رقابي على المستشفيات الحكومية وتوحيد تسعيرة ودرجات الاستشفاء للمستفيدين تحقيقًا لمبدأيْ العدالة والمساواة.
12)    في مجال تلزيمات وزارة الأشغال وسائر الجهات : إلغاء الممارسة غير الشرعية المتمثّلة بتجزئة النفقة  التي تقوم على إجراء مناقصات لأشغال يتم تجزئة مراحلها بشكل غير واقعي لتهريبها من رقابة ديوان المحاسبة وإبعادها عن رقابة إدارة المناقصات على دفتر الشروط ورقابة التفتيش المركزي على حسن التنفيذ (أقل من 75 مليون ليرة).
13)    في مجال وزارة الشؤون الإجتماعية: وجوب اعتماد البطاقة الاجتماعية لدعم ذوي الدخل المحدود والعائلات الأكثر حاجة.
14)    في مجال وزارة الزراعة: قيام البلديات بالتعاون مع المراكز الزراعية ومراكز الثروة الحيوانية بمسح عدد الأراضي التابعة للدولة أو لمؤسساتها، والمشاعات التي قد تكون صالحة للزراعة، وتحديد عدد المزارعين، وأسمائهم، ودورهم (مالكون، مستصلحون، عمّال، الخ.)، وذلك تمهيدًا لرسم استراتيجية الأمن الغذائي وتوازن السلة الغذائية.
15)    في مجال وزارة المالية العامة: إجراء مسح شامل للمكلّفين بضريبة الدخل لمنع التهرّب الضريبي، وإعادة النظر في  شطور ضريبة الدخل في الباب الثاني، حيث أنه لا يعقل أن يدفع ذوي الأجور المتوسطة ضريبة أكثر من غالبية المؤسسات المكلّفة بالضريبة، إضافةً إلى العمل على تحصيل الضرائب والرسوم المتوجّبة وتفعيل التحصيل الجبري بعد انتهاء الظروف الصعبة التي يمرّ بها البلد، إذ أن نسبة المبالغ المجباة من المبالغ المتوجّبة قليلة جدًا.
16)    في مجال الجمارك : تشديد العقوبات فيما يتعلق بالمخلّصين الجمركيين المخالفين في حال تكرار المخالفة بمناسبة تقديم البيانات الجمركية، إضافةً إلى تأمين العدد اللازم من آلات الكشف المتطوّرة "روبوتيك سكانر" وتوزيعها على مختلف المنافذ الحدودية (مرافىء، مطار، منافذ برية حدودية) بما يؤمّن سهولة وسرعة الكشف على البضائع المستوردة، ويقلّص احتمال التلاعب الذي قد يحصل في قيام المراقب الكشاف بعمله، فضلًا عما تؤمنه تلك الأنظمة المعلوماتية الكاشفة من سهولة إنسياب السلع إلى داخل الأراضي اللبنانية.

17)    في مجال مؤسسة كهرباء لبنان: معالجة الهدر الفني والهدر الناتج عن سرقة التيار الكهربائي، وطلبات اشتراك المستهلكين المشتركين التي لم تُنفّذ والعالقة في الدوائر منذ سنوات، إضافةً إلى رفع قيمة سعر  KWH على الشطور العالية بشكل لا يصيب الطبقة الفقيرة، لأن سعر KWH حاليًا أقل بكثير من سعر الكلفة مما يؤدي إلى تزايد العجز في مؤسسة كهرباء لبنان.
18)    في مجال المؤسسات العامة والبلديات واتحاداتها: إلغاء النصوص التي تُخرِج أعمال السلطتيْن التقريرية والتنفيذية  في البلديات من رقابة التفتيش المركزي، وجعل إحالة هؤلاء على الهيئة العليا للتأديب بيد أجهزة الرقابة وليس بيد وزارة الداخلية.
19)    في الحوكمة الرشيدة: تطبيق نظام تقييم أداء الموظفين في بعض الوحدات، وإعداد نظام تقييم جديد يلحظ تطوّر المهام الإدارية وطرق أدائها.
20)    نظام التقييم المؤسسي ومؤشرات الأداء: إعطاء التفتيش المركزي مهمة إدارة قاعدة معلومات تتغذّى دوريًا عبر البيانات المرسَلة إليه من مختلف الإدارات، ومهمة التحليل والإحصاء والاستدلال على مكامن الخلل في الإدارة كي يصار إلى معالجتها بحسب ماهيتها إما عن طريق المفتشين وإما بواسطة كتب التوصية إلى الإدارات والمسؤولين والمجلس النيابي.
21)    في دراسة المخاطر: فرض نظام جديد من قبل التفتيش المركزي على الإدارة لناحية عملها السنوي، بحيث يرتكز على قيام الإدارة بدراسة حالتها والمخاطر التي تحدّق بها، بهدف وضع خطة لتلافي المخاطير تخضع فيها للرقابة الفعالة.
22)    في أوضاع المفتشين في إدارة التفتيش المركزي: تحسين أوضاع المفتشين المالية والقانونية بشكل يتلاءم مع المهام الموكلة إليهم وإفادتهم بحصانات قانونية تحميهم من التعرض لهم، ومنح التفتيش المركزي صلاحية إخضاع بعض المفتشين غير المنتجين للتقييم وطرح أهليتهم، وإعادتهم إلى مجلس الخدمة المدنية لتقرير وضعهم الوظيفي.
23)    في تشديد العقوبات المفروضة من قبل هيئة التفتيش: تعديل المادة 55 من نظام الموظفين بحيث تضاف إليها عقوبات رادعة مع إمكانية دمجها، ومن بين العقوبات المقترحة عقوبة النقل التأديبي التي يجب أن يُجاز لهيئة التفتيش المركزي فرضها .
24)    في نطاق صلاحيات التفتيش المركزي: توسيع صلاحيات التفتيش المركزي الرقابية لتشمل كافة الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات، وكل من هو معني بالشأن العام والمال العام.
25)    في عمل المفتشين: منح التفتيش الأدوات القانونية الكفيلة بإلزام الإدارات التعاون معه وتزويده بالمستندات المطلوبة وتسهيل دخول المفتشين إلى حرم هذه الإدارات وعدم وضع العراقيل أمام عملهم.
26)    تشريع الملاحقة في المال الخاص: في إطار مكافحة التعدّي على المال العام، يجب العمل على تشريع الملاحقة على المال الخاص عند صدور قرار بالإدانة من التفتيش المركزي.
27)    في التنسيق بين الإدارات: تفعيل منصة البلديات للتقييم والتنسيق والمتابعة (IMPACT) وهي التجربة الأولى في لبنان لربط البلديات بالسلطات المركزية ولجمع البيانات الدقيقة، بهدف إعداد سياسات تستجيب للحاجات الفعلية وتعالج التحديات من خلال أحدث التقنيات الرقمية.
نطرح ما سبق من جملة توصيات يعمل التفتيش المركزي على الخروج بها في إطار إعداده خارطة طريق الإصلاح الإداري التي سوف يطلقها قبل نهاية العام الحالي. ففي اليوم العالمي لمكافحة الفساد، لا يسعنا الا أن نؤكّد على أن الوقت قد حان لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ولتسخير قدرات وخبرات الموظفين العموميين الذين لهم دور محرّكي التغيير. هذا هو السبيل الوحيد للخروج من "مستنقع" الفساد نحو "هواء" الحوكمة الرشيدة.
 

صار فيك تكون شريك بالكشف عن الفساد

  • ادارات عامة
  • مؤسسات عامة
  • بلديات واتحاد بلديات
  • الجامعة اللبنانية
  • مستشفيات
تقديم شكوى
قيم المعاملة أو الوحدة الادارية
إضافة ملف جديد
Maximum 10 files.
10 ميغابايت limit.
Allowed types: pdf doc docx jpeg jpg png txt mp4 ogg webm flv mov avi wmv mp3 mpeg mid midi mod aif aiff au voc wav.
أود أن تبقى معلوماتي سرية
شارك خبرتك في المعاملة
x